محمد باقر الملكي الميانجي

283

مناهج البيان في تفسير القرآن

بالحقيقة ، وأنّ حيثيّة نسبة الفعل إلى العبد هي بعينها حيثيّة نسبته إلى الربّ ، وأنّ الفعل صادر من العبد من الوجه الّذي هو صادر من الربّ . ( الأسفار 6 / 387 ) وأنّ اللّه سبحانه عال في دنوّه ، ودان في علوه ، واسع برحمته ، كلّ شيء لا يخلو من ذاته شيء من الذّوات ، ولا من فعله شيء من الأفعال ، ولا من شأنه شيء من الشؤون ، ولا من إرادته ومشيئته شيء من الإرادات والمشيئات . ( الأسفار 6 / 376 ) ، معلوم البطلان بضرورة العقل والدّين . وغرض الآية إنّما هو توبيخ المضلّين وأهميّة ما تصدّوا من الجناية الوقيحة لو علموا أنّ ضلالة من أضلّوا من جناياتهم ، فهم مأخوذون به أيضا . وهكذا لو لم يتمكّنوا من إضلال أحد . وليس في الآية من ضلالة الضالّين عين ولا أثر . والبحث إنّما هو في إضلال المضلّين وقد صرّحت الآية بأنّهم لا يضلّون إلّا أنفسهم . قوله تعالى : « وَما يَشْعُرُونَ » . ( 69 ) أي أنّهم لا يعرفون وقاحة هذه الجناية ومجازاتها . . قوله تعالى : « يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ » . ( 70 ) يا أهل الكتاب ما الّذي يغريكم ويحملكم على الكفر بآيات اللّه وارتكاب هذه الوقيحة عن علم ومعرفة ؟ قوله تعالى : « يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » . ( 71 ) أي لم تجعلون الحقّ أمرا متشابها ومشكوكا بالمغالطات والأباطيل ، الّتي تتوسّلون بها إلى إخفاء الحقّ وإبراز الباطل بصورة الحقّ ، وأنتم تعلمون أنّ هذه سيّئة كبيرة ترتكبونها ولا تستحيون من اللّه ولا تخافون نقمته ؟ قوله تعالى : « وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » . ( 72 ) هذا تلبيس من أهل الكتاب ، فإنّ تصديق شيء في أوّل النّهار وتكذيبه في آخره تلبيس للحقّ بالباطل . وهذا أضرّ شيء وأكبر جناية على ضعفاء الناس ، وحرمانهم من نيل الحقّ . ويوجب اضطرابا في نيل الحقّ ، ولا يبقي شيء يعتمد